الثلاثاء، يونيو 26، 2007

 

أحبها بإرهاب



في حياتنا لا مكان لفيروز , كلّ المكان هو لفيروز وحدها , ليكن للعلماء علم بالصوت و للخبراء معرفة ، و ليقولوا عن الجيِّد و العاطل , أنا أركع أمام صوتها كالجائع أمام اللقمة ، أحبه في جوعي حتى الشبع ، و في شبعي أحبه حتى الجوع , أضم يديّ كالمصلّين وأناديكَ : إحفظْها ! إحفظها ! إذا كنتَ الله فهي برهانك ، و إذا لم تكن فهي بديلك ! لقد وقعتُ سابقاً في بشاعة الكبرياء فكتمتُ إعترافي , والآن أقول اعترافي : إني لا أؤمن إلا بها , و أعيش لأنها هي الحياة , باقي ما أفعله أفعله مرغماً , أنا مرهون بنزوات حنجرتها ، عاقد مصيري على نظرها و خنصرها و آثار قدميها , لقد أعادت اختراع الينابيع , ليست هي طريق الحياة بل الحياة , إني أتكلم من أعماق البصيرة حيث الصدق لا يختبىء من الخجل و لا يتدلّل لكي يتعرّى , يا رب إحفظها ! يا رب إخدمها ! يا رب اعطني كلاماً يليق بها ! لقد ساقوا إليها المديح ، و ارتكبوا بحقها خطيئة التعظيم , ولكن يا رب .. لماذا أناديك ؟ وهل أنت سوى غريب آخر ؟ وسط الجماهير المتمازجة القاسية ، أخاف فلا ينقذني إلا صوتها , في فراغ المكان ، يتردد كالبشارة في ضميري , في الوقت والأبدية ، هو حبي , إني أشتهي أن أضمه بيديّ كيديّ , أو أنفخه فيطير كرماد وردة.
تغنّي لنا الأسرار التي جهلناها ، و الأحلام التي نسيناها , تغنّي و صوتها مكشوف كاليد المفتوحة ، وتغنّي و صوتها محجّب كوجه خفضه العذاب و الخفر إلى رجاء الأرض , حتى لو لم يُكتب لها شعر جميل ، فإن صوتها كفيل أن يجعل أي كلام شعراً جميلاً ، حتى لو لم يكن اللحن رائعاً ، فإن صوتها كفيل أن يجعل أي لحن رائعاً , لأن صوتها هو الشعر، و الموسيقى ، و .. الصوت , لأن صوتها هو الأكثر من الشعر و الموسيقى و الصوت , صوتها و تمثيلها و حضورها , إن في وجودها إشعاعاً يبهر كالبرق ، و يستولي على الناظر إليها كما يستولي الكنز على المسافر , صوتها الذي أسمعه فكأنه هو الذي يسمعني ، بل كأنه أحسن من يصغي إليّ و أنا أصغي إليه , صوتها الساقط فينا كالشهيد ، المُخمِد حولنا العواصف ، المُلهب فينا غرائز البراءة و الوحشية , صوتها كمصابيح في المذبح ، و كزهرة جديدة حمراء في حديقة قديمة , لا صوتها في سمعنا فحسب ، بل إلى الأمام من حياتنا , صوتها المنوِّر , الذي تنويره كتنوير الصليب , لنتوقف و نقدّم لفيروز الشكر في جميع العالم ، لأن صوتها راعي الرعشة ، لأنه هو الرعشة ، وهو نار الحب الأخيرة الممشوقة كعروس فوق الماء.
أقول "صوت فيروز" وأقصد "فيروز" , تلك المرأة اللامحدودة العطايا ، التي ليس لجمالها نهاية , كلها بكاملها ، متحرّكة وجامدة , كلها ، بأصغر تفاصيلها , إني لا أعرف فناً غيرها , و أحبها بإرهاب ، أي بالشكل الحقيقي الوحيد للحب , إن صوتها هو عصرنا , ولصوتها سبعون نافذة مفتوحة على الصباح , للصرخة إذا خفضناها قليلاً قوّة أشدّ , هكذا صوتها عندما لا يتفجّر كله , وحين يتفجّر كله يصبح الكون بعده جميلاً كغصن شجرة حرقته صاعقة , وما زال أمام صوتها وأمام عبقريته جميع الفرص.


يُقال أحياناً : "فيروز !! نعرف ، نعرف" ... ماذا نعرف ؟ تقريباً لا شيء , لنسمع صوتها جيّداً ولننظر إليها بعيون نقيّة , عندئذٍ نعرف أنها في كل مرة تبدأ الآن , فهي في كل مرة نضرة كرنّة الثلج في الكأس , ومع هذا فما تخبئه هو أغنى مما أباحته , ليتني أستطيع أن ألمس صوتها , أن أحاصره و ألتقطه كعصفور ، كأيقونة , أن أكتنفه و أشربه و أكونه , أن أصير هو , أن لا يعود يحبس أنفاسي كلّما سمعته وكلّما تذكرته و كلّما نسيته , ليتني أستطيع أن أضمّه على صدري فيصبح لي و أرى أسراره ، و لا يعود ممكناً إنتزاعه مني و لا بالموت , أن ما يحدث لي تجاه صوتها ليس فعل السحر , أنه اجتياح , إنه فعل الإتحاد التام , عندما أسمعها أصبح إنساناً ناقصاً صوته , أصبح بصوتها , إنها الجمال الذي ضاع منذ الخليقة , وعندما تسكت فبوحشية يصير المسرح تحت سكوتها مقاطعة تتنفس الحنين إليها ، ثم تصرخ عطشى إلى كلام فيروز , كم سكوتها مؤلم !! إنه يأخذ الأسرار التي إن لم تقلها لنا تختنق , هل هي تفرح بعذابنا أمام سكوتها ؟ وها هي تقطع الصمت , ها هو وجودها يغضب كالضوء ، يموج كالبجع الأبيض ، يرقّ كنداء العينين , وتبكي و تضحك بلا بكاء و لا ضحك ، و تملأ الدنيا بقليل منها ، لأن القليل منها أكثر من السعادة.
هذه التي تشعل المسرح هي أيضاً تشعشع لنا الحياة , و المسرح ليس حيث المسرح فحسب ، المسرح هو أيضاً قلوبنا , بعلبك و الأرز و دمشق و بيت الدين و قصر البيكاديللي و كل مكان يأتي منه صوتها ، جعلتها فيروز أوطاناً لنا , إحفظها ! إحفظها ! فيها خطر يجذب كالبحر , ألا تعرف ما الذي يأخذك في صوتها ؟ هو الجبل الذي هو هاوية ، والنسيم الذي هو عاصفة , صوتها مثل مركب شراعي يمضي في وجه النوّ ، فيتوجّع ويتمزّق ، حتى يغلب بعناده جنون الطقس ، فتسجد فوضى الكون أمامه منهوكة كالرجل على صدر حبيبته , مرآة الشوق ، مرآة الحنان والحنين ، مرآة الحب ، مرآة الجرح و الصدق ، و أكبر مرآة للحزن والشهيّة , لو كان صوتها صليباً لحملته ، و لو كان بحراً لأشعلته , لكنه أعظم من ذلك , إنه الجمال , و أي هدف أعظم من الجمال يقدر الإنسان أن يعيش له ؟ لو قلت أن فيروز هي الوحيدة لما قلت شيئاً , لو قلت أنها كل شيء ، لما قلت شيئاً , و لو قلت أني مهما قلت سأبقى عاجزاً عن القول ، لما قلت شيئاً , في حياتنا لا مكان لفيروز , كلّ المكان هو لفيروز وحدها , في حياتي لا مكان لفيروز , إن فيروز حياتي.
"أنسى الحاج" فى مناسبة تقديم فيروز مسرحيتها الغنائية "يعيش ! يعيش "

Comments:
على السلامة بعدا

فيروز الصوت الجميل و الوجه الهادئ

لا ادري لماذا لك تولد فيروز اخرى
 
ca va Fayrouz est un ange elle nepeut pas faire partie du genre humain. il est indigne d'elle.
 
إن كان الإغريق جعلوا من أفرودايت
آلهة للحب والجمال
وإن كان الرومان جعلوا من فينوس
آلهة للحب والجمال
إلا أن آلهتهم هذه صنعت من الوهم والخيال

أما آلهتنا نحن في شرقنا وعصرنا وفي كل العصور
فهي فيروز
آلهة الحب والجمال والسلام
آلهة الموسيقى والغناء والوئام
آلهة العذوبة والصفاء والانسجام
آلهة الماء والجبل والشجر والثلج
هي آلهة كل المحبين
وكل المؤمنين الصادقين
فيروز
ثم فيروز
ثم فيروز

لها وعليها أفضل سلام
 
ta9ouloha bi balagha, wa bi moubalagha aydan.
...dites moi qui est Zifa parmi vous, j'aimerai lui dire qu'il écrit avec émotions comme un romancier, mais en revanche ca lui fera à chaque fois du mal, autant de mal au coeur, je suppose.
 
zifa c'est le proprietaire du blog
 
Donc mon message est arrivé à sa déstination.
 
اي ميساج ايها الصديق؟
قاتل الله الفرنسية
زيفا
:)
 
haha, 9atalaha llah, ana m3ak fi hteh. fa9at laysset 3endi al arabia fi 7assoubi alla3ine.

9ol kayfa hya ahwalok ?? wa kayfa howa 9albok alladi ach3oro binarihi mine hona ??
 
3indama taghib akhcha an takouna 9ad moutta, 9oli hal mouta fi3lane ??
 
فعلا مدونة رائعة رغم أني أخالفك في الحادك إلا انك حر في ذلك و اتمنى لك الهداية
 
إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط



<< Home

This page is powered by Blogger. Isn't yours?